وهبة الزحيلي
193
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا القرآن بالرد والطعن . مُعاجِزِينَ مسابقين مغالبين لنا ، زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم . أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ تحضرهم الزبانية إلى النار ، دون أن يجدوا عنها محيصا أو مهربا . وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ في فعل الخيرات التي أمر اللّه بها في كتابه وبيّنها رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي يعوضه عليكم إما في الدنيا وإما في الآخرة . وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي إن الناس مجرد وسطاء ، فإن رزق العباد لبعضهم بعضا إنما هو بتيسير اللّه وتقديره ، وليسوا برازقين على الحقيقة ، وإنما الرازق الحقيقي هو اللّه تعالى . سبب النزول : نزول الآية ( 34 ) : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ . . : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال : « كان رجلان شريكان ، خرج أحدهما إلى الشام ، وبقي الآخر ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى صاحبه يسأله ما عمل ، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم ، فترك تجارته ، ثم أتى صاحبه ، فقال : دلّني عليه ، وكان يقرأ الكتب ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إلام تدعو ؟ فقال : إلى كذا وكذا ، فقال : أشهد أنك رسول اللّه ، فقال : وما علمك بذلك ؟ قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم ، فنزلت هذه الآية : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها : إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فأرسل إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه قد أنزل تصديق ما قلت » . المناسبة : بعد بيان تكذيب المشركين بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية ، سلّى اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم مما مني به من مخالفة قومه ، وخصّ بالتكذيب المترفين المعتمدين على كثرة الأموال والأولاد ؛ لأن الداعي إلى التكبر والإباء المفاخرة بزخارف